اسماعيل بن محمد القونوي

273

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( أي من النفس الثانية العاصية ) أن الضمير في منها عائد إلى النفس الثانية التي غير المجزي عنها ورجحه ليلائم قوله تعالى : وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [ البقرة : 48 ] فإن الضمير فيها للنفوس العاصية ثم أشار إلى جواز رجوعه إلي من الأولى فقال ( أو من الأولى ) أي أو من النفس الأولى بمعنى أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها ولو أعطت عدلا عنها لم يؤخذ منها فخ يلزم تفكيك الضمير في وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [ البقرة : 48 ] بخلاف رجوعه إلى النفس الثانية وهذا الاحتمال مرجوع ولخفائه ومرجوحيته أيده بقوله ( وكأنه ) فإنه مرتبط بقوله أو من الأولى يعني إذا كان مرجع الضمير النفس الأولى فكأنه ( أريد بالآية نفي أن يدفع العذاب أحد عن أحد من كل وجه محتمل ) لكن نفي الدفع المذكور فيما سوى النصرة ظاهر وأما فيها فبطريق الالتزام إذ هو مستفاد من قوله تعالى : وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [ البقرة : 48 ] والضمير فيه راجع إلى النفس العاصية لا محالة فإذا لم يكن منصورين يلزم أنه لا ناصر لهم ويؤيد الأول قوله تعالى : ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ [ غافر : 18 ] على أن النفي متوجه إلى القيد والمقيد جميعا والمعنى ح أنها لو جاءت بشفيع يشفع لها لم يقبل منها أو لا يقبل شفاعة كائنة من قبلها على أن يكون منها ظرفا مستقرا وقع حالا من شفاعة قدمت عليها لكونها نكرة والظاهر أن نفي قبول الشفاعة نفي الشفاعة رأسا لا أنه يشفع لها فلا يقبل لقوله تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [ البقرة : 255 ] الآية ولا ريب في أن الشفاعة للكفار لا إذن لها أصلا ورجح رجوعه إلى النفس الأولى لأنها المحدث عنها والثانية فضلة وليس بشيء لأن هذا لا يقام قرب النفس العاصية مع أن كون الشيء ركنا من الكلام أو فضلة لا يرجح كونه مرجعا ما لم يلاحظ معه ما يرجح كونه مرجعا ولأن المتبادر من نفي قبول الشفاعة أنها لو شفعت لم تقبل شفاعتها وهذا ضعيف أيضا فإنه لو سلم أنه هو المتبادر لا يزاحم أن الكلام في نفي اندفاع العذاب والنجاة عنه بوجه من الوجوه لأنه هو الملائم للأمر بالاتقاء لا نفي دفع العذاب والتعرض له لكونه واسطة لاندفاع العذاب المقصود بالذات فح يكون المعنى المتبادر ما ذكرنا بملاحظة سوق الكلام وهو أنها لو جاءت بشفيع لتتخلص بشفاعته عن العقاب لا يقبل . قوله : أي من النفس الثانية تفسير الضمير المجرور الذي ذكر في موضعين فعلى هذا يكون من متضمنا للتعليل والمعنى لا تقبل من أجل النفس الثانية العاصية شفاعة شفيع ولا يؤخذ منها أي من الثانية العاصية عدل أي فدية . قوله : ومن الأولى فعلى هذا يكون من الابتداء أي ولا تقبل شفاعة صادرة عن نفس لنفس عاصية ولا يؤخذ منها لها فدية تفتدى بها أيضا والوجه الأول وهو أن مرجع الضمير إلى النفس الثانية العاصية أرجح ذكره بعضهم لأنه يوافق قوله وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [ البقرة : 48 ] فإن الضمير في وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ إلى النفوس الغير المجزى عنها البتة والنظم أيضا ساعده لأن تغيير الأسلوب في قوله وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [ البقرة : 48 ] للدلالة على أن التقابل بين الأول والرابع والمتوسطين من تتمة الأول لأنه لما نفي أن يقضى عن العاصي أحدهما تمم بأنه لا سبيل إلى القضاء بفداء واسقاطه بشفاعة ثم قيل وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ نفيا للتقضي القهري أيضا .